أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

278

التوحيد

نفوا خلق أرفع الخيرات وهو الإيمان . مع ما كان فيهم من يرى جميع الخيرات إيمانا ثم لا يرى اللّه يخلق الإيمان ، فيكون على قوله : هو خالق كل شر ، وليس بخالق خير البتة ، جل اللّه عن هذا الوصف . ثم لا يخلو تعرف الخلائق من أن يكون طريقها السمع من غير أن كان للعقل من ذلك نصيب ، فيجب بمطلق القول خلق الإيمان بقوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ، غافر : 62 ] ، وهو شيء غير اللّه ، فيجب به القول بخلقه أو القول بخلقه بما هو من الأعمال ، وقد قال اللّه تعالى : خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 96 ] [ . . . ] « 1 » يحق القول وفعل الضمير دون غيرهما من الجوارح ، وقد قال اللّه تعالى : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 13 - 14 ] ، فهو داخل في جملة الشيئية بالأول ، وفي جملة الأعمال في الثاني ، وفي جملة ما يسرّ ويجهر ، مع ما قد يكون في السماوات والأرض مما لا إشارة إلى خلقه باسمه داخل ذلك فيما بيّنا ، وفي قوله : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما [ الفرقان : 59 ] ، فمثله الإيمان من الذي بينهما ، واللّه الموفق . أو أن يكون للعقل في تعرف ذلك نصيب ، فوجد جميع ما في سائر المخلوقين من آثار الصنعة والخلقة ما في الإيمان ، فيجب من طريق النظر الجمع بين ذلك ، على أنه مما هو يحدث للعبد لحدثه ، وعرف خلق الأشياء بما كان بعد أن لم يكن . على أنّا نسأل من أنكر سؤالا مقررا عن حقيقة ذلك من تصديق أو إقرار أو جميع الأعمال أو إقرار ومعرفة ذلك أو نحو ذلك ، فيلزم الاعتراف بشيء من ذلك بما يقابل به كل نوع ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وقد روي في ذلك خبر عن رسول اللّه عليه السلام أنه قال : " إن اللّه خلق الإيمان فحفّه بالسماحة والحيا " « 2 » . وروي « أن اللّه خلق مائة رحمة » « 3 » ، ومعلوم تسمية الإيمان رحمة ، فيجب أن يكون فيما خلق ثمة له ضد يدفعه وشكل يعضده أو يوافقه ، وكل ذي ضد وشبيه خلق . ثم هو طريق يسلك فيه ، ودين يدان به ، ومذهب يختار ،

--> ( 1 ) كلمة ساقطة في الأصل . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ، حديث رقم ( 2935 ) [ 2 / 187 ] . ( 3 ) يشير إلى الحديث الذي رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم ( 2879 ) [ 3 / 157 ] ونصه : « لو يعلم المؤمن ما عند اللّه من العقوبة ما طمع أحد بجنته ولو يعلم الكافر ما عند اللّه من الرحمة ما قنط عبد من جنته خلق اللّه الرحمة مائة رحمة وأهبط منها رحمة بين عباده يتراحمون بها وعند اللّه تسعة وتسعون وهذه النار جزء من مائة جزء من جهنم » .